الثلاثاء، 30 مايو، 2017

هل ستنجح قطر في عزل السعودية؟

لم تكن العلاقة على مايرام بين السعودية وقطر في عدة مراحل, فبعد المشاركة القطرية بتحرير مدينة الخفجي السعودية بعامين, اشيع عن حادثة حدودية وقعت بين السعودية وقطر وقتل فيها شخصين بحسب احد المصادر, ثم في العام 2006 عندما عطلت السعودية مشروع مد الكويت بالغاز القطري حيث امتنعت عن السماح بمد الأنبوب عبر مياهها, مما حدا بالكويت للتوجه نحو التفاوض حول الغاز مع ايران. بالمقابل كانت قطر تمارس مضايقاتها الاعلامية عبر الجزيرة الأمر الذي تطور الى حد سحب السفراء بين البلدين, والآن تطفو مشكلة اكبر واعمق ستهدم آخر اوهام الوحدة الكونفدرالية التي تبناها بعض المتحمسين الاسلاميين الخليجيين, سعي قطر للإبقاء على العلاقة بتيار الممانعة والاخوان على حساب سياسات التضييق المراد اتباعها ضد ايران وجماعاتها وحلفائها في المنطقة من أجل التخفيف من الإستنزاف الإقتصادي لمقدرات السعودية في حرب الجنوب مع الحوثيين. 

ما أن انتهت السعودية من إعداد مشروع ناتو عربي اسلامي برعاية امريكية الا واشتعلت ازمة مصدرها موقع الكتروني قطري رسمي, وعلى الرغم من نفي قطر للتصريحات على أن الموقع قد تم اختراقه, الا ان السعوديون يدركون التحولات الاخيرة التي طرأت على موقف التيار " التركي القطري", فبعد محاولة انقلاب تركيا وتطور العلاقات التركية الايرانية, نسب احد المواقع الاخبارية تصريح لوزير الخارجية الايراني ظريف قال فيه بأن "تطور العلاقة التركية الايرانية سيؤدي الى عزل استراتيجي للسعودية". 

لو نظرنا الى واقع الحرب السعودية ضد الحوثيين في الجنوب فسيتضح لنا كيف ان ايران نجحت فعلا في عزل السعودية استراتيجيا, فالسعودية مستنزفة في حرب ليس لها أن تنهيها, فالحوثي ليس بجماعة اقليمية انفصالية مستقلة من الممكن التفاهم معه على مسألة الاستقلال او الفيدرالية, وانما هو وداعميه يستهدفون الجنوب السعودي بل وابعد شمالا من ذلك, وبالتالي تسعى السعودية للإبقاء على جبهة الحوثي مع الشرعية اليمنية حية قدر الإمكان, حتى جاء الجنوبيون بمطامح الاستقلال كفرصة سانحة للتخلص من كلفة الاتحاد الفاشل الذي سيطر عليه علي عبدالله صالح لأكثر من عشرين سنة ليزيد ذلك من معاناة الشرعية اليمنية. امام هذا التمدد الذي اتاحته سياسات اوباما, لم تعد السعودية تجد مخرجا الا من خلال حسم الموقف الامريكي لصالحها من خلال الصفقات التي انعشت ترامب, بمقابل ضمان دعم الاميركان لقيام ناتو عربي اسلامي بدعم امريكي مع ضمان تدفق السلاح الاميركي خصوصا بهذا الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات في اوربا لحظر بيع السلاح على السعودية, ثم تتفاجئ السعودية بإختراق داخلي لهذا المشروع بعد التمثيل المتدني لتركيا ومن ثم التصريحات القطرية التي أتت كدلالات على أن هنالك رغبة بوأد هذا الناتو, وهذا ما يدفع للتساؤل حول مدى جدية الاميركان والاسرائيليين وما ان كانوا قد نأوا بأنفسهم عن ممارسة الضغوط على تركيا وقطر بشكل متعمد مما يضمن استمرار ازمات الشرق الاوسط وتنامي فوضاها. 

بمتابعة العلاقات الايرانية التركية فسنجد بأن التفاهمات الاساسية تغني تركيا واخوانها وحلفائها عن التعلق بالتيار السعودي في المنطقة, فمع العزل السعودي الذي فرض نفسه نجد مساعي تركيا لإيجاد مخارج تقيها الاعتماد التام على الغرب في مصالحها, فالضغوطات الاوربية في ملفات حقوق الانسان ومسألة الاكراد قد دفعت بتركيا نحو الاتفاق على البدائل الروسية في المسائل الاقتصادية وعلى البديل الايراني السوري في حل مشكلة الإستقلال الكردي في سوريا, وبالمقابل نجد ان السعودية قد اصبحت خارجة عن لعبة سوريا ولم يعد لها سوى منفذ وحيد من خلال الاردن والذي قد تتحرك منه قوات تجاه سوريا لتشغل منطقة آمنة غير واقعة تحت سيطرة لا الاسد ولا الجماعات الدينية التي فشلت السعودية بالمراهنة على بعضها. 

هذه المحنة السعودية قد اثارت مخاوف مواطنيها واعلامييها وظهرت على شكل هذه الحملة الاعلامية الفقيرة بالمقارنة مع امكانات التأثير لدى الاعلام القطري والمتمثل بالجزيرة بنسختيها العربية والانجليزية حيث تعتمد سياساتها الإعلامية الدعائية على تبني المطالب السياسية لتيار عربي يعاني من التهميش السياسي وغياب الديمقراطية حتى وإن كان المعني بالديمقراطية هنا هو الشكل الإثني لا الليبرالي, ولذلك فإن السعودية معنية الآن في مواجهة استحقاقات الاصلاح السياسي بدءا في الداخل من خلال الإنفتاح بشكل عام واشراك الأمة في عملية اتخاذ القرار والرقابة على التنفيذ ومحاسبة المقصرين والعمل على اشاعة هذا التوجه في البلدان المتحالفة والإسراع بإتجاه كسب التأييد الشعبي العربي والاسلامي.

صحيح أن قطر كانت لها مواقف من السياسات الايرانية في المنطقة, كالذي ذكر بإحدى وثائق الويكيليكس عن ان قطر قد ابدت موافقتها لإدارة اوباما على استخدام قاعدة العديد في قصف بوشهر اذا ما قررت الادارة الاميركية ذلك, ولكن عدم جدية تلك الادارة والى ان حدث التحول في السياسات التركية اصبح من الواضح التغير في السياسات القطرية من قضايا المنطقة. 

في احسن الاحوال فإن التدخل الكويتي للتهدئة والمصالحة سيكون محددا بتهدئة الحرب الاعلامية المستمرة, ولن تستطع المصالحة ان ترقى الى حد اعادة الثقة بين الطرفين, وهذا ما سينعكس على تشكيل الناتو العربي. 

بعيدا عن الصراخ الإعلامي المتخلف والبالي للطرفين, من المهم جدا ان تعي قطر بأن المساهمة بإضعاف السعودية سيعني المزيد من الفوضى في المنطقة, اما السعودية فعليها مراجعة سياساتها تجاه الجيران ومراعاة مصالحهم وقبل ذلك وكما ذكرت سلفا عليها مراجعة سياساتها الداخلية وعلاقاتها مع شعوب المنطقة. 

ليست هناك تعليقات: