الخميس، 27 مارس، 2014

الليبرالية والقومية .. العربية !

الشعوب هي التي اقامت الدول , والشعوب هي التي تشكل القوميات بانواعها , وبالتالي فإن العلاقة بين الدولة والقومية هي واقع قد نصفه بالقاعدة في حال لو اعتبرنا ان الدين - مثلا - عنصر ثقافي. او ان تكون علاقة الدولة بالانسان اما ان تكون قائمة على قومية معينة او على ( الدين كما في النماذج التاريخية التي فشلت بمجملها! ).

هذه الفلسفة لازالت مؤثرة باغلب المجتمعات , ولكن هذا لا يعني انها لا زالت ثابتة كما السابق و لم تتغير او انها غير قابلة للتغيَر , فالنظم العلمانية التي تقوم عليها الدول وضعها الانسان وهي نتاج افكاره وتجاربه , وبالتالي كلما شعر الانسان المتطور بوجود اخطاء وثغرات فإنه يسارع في التفكير في استكمال النظم او تغييرها لسد الفراغات التي تسبب له المشاكل, ولذلك فإن من غير المقبول التعامل مع افكار بدايات الحداثة على انها ثوابت. 

من هنا وعند النظر الى تاريخ قيام الدول الحديثة ومقارنة تلك البدايات الحديثة ( في وقتها ) بالواقع الجديد , فإن المتغيرات وما وصلت اليه الدول المتقدمة تدلل على ان تأثير رابطة القومية قد بدأ يقل بعد ان اصبحت المجتمعات متعددة الاطياف والقوميات , بل ان العالم قد دخل في العولمة سواءا من الناحية الاقتصادية او من الناحية السياسية , واليوم , لم تعد الجنسية ( شهادة المواطنة - الانتماء لقومية معينة ) هي المعرف الاهم للانسان , فحركة التنقل والهجرة واللجوء بالغالب صارت محكومة بأنظمة تكفل للانسان بعض الحقوق المتعلقة بالمساواة بغض النظر عن انتماءاته ومنها الانتماء القومي , وهذه الانظمة تأتي كجزء من منظومة دولية تتدخل في الكثير من التفاصيل المتعلقة بالانسان , منها ماله شأن باللاجئين والمهاجرين وفي الاطفال وفي التعليم وفي جرائم الحرب وفي الحروب وفي الصحة والفقر والبيئة وغيرها , وهذه المنظومة الدولية لديها صلاحية فرض العقوبات وغيرها من الصلاحيات وصلت الى حد اقامة المحاكمات الجنائية الدولية. و من هنا نستشف بأن القوميات لم تعد قادرة على حماية نفسها امام واقع تعدد الاطياف او القوميات في البلد الواحد , وهو الواقع الذي يستمد قوته من القوانين الدولية الخاصة بحقوق الانسان. 

هذه المتغيرات لم تحدث فقط على اساس حركة الهجرة واللجوء فقط , وانما هي ايضا نتاج لحركة التمدد والانكماش التي تعرضت لها بلدان كثيرة منها اوربا , ففي المانيا اصبحت هناك قوميات جديدة لا يكونها المهاجرين الاتراك فقط وانما هنالك الالمان الروس مثلا وهنالك المهاجرين البولنديين الذين يريدون الاستفادة من نظام التأمين في المانيا, وفي اوكرانيا كمثال اخر , هنالك السيطرة للقومية الروسية في الجانب الشرقي وهي قومية كانت قادرة على تحقيق النجاح الانتخابي , بمقابل القوميات التي عانت من تاثير الروس في اوكرانيا وهي التي قامت بالتظاهر مؤخرا بسبب اهمال الروس للجزء الغربي لاعتبارات تاريخية , وهذه القوميات اثر ذلك ازاحت الرئيس الموالي للروس ونصبت حكومة مؤقتة لا يعترف بها الاوكران الروس, وبالتالي فإن الاعتماد على العامل القومي هنا اقرب لأن يؤدي الى انقسام اوكرانيا او استمرار الصراع الداخلي, والامر ينسحب على العديد من دول اوربا الشرقية. 

اذابة القوميات .. 

هذه السياسة حاولت المانيا اتباعها في تعاملها مع ( الاتراك المسلمين كمثال ), فبعد هجرة الاتراك لها طرحت الحكومة التركية في وقتها اقتراح بأن تقوم هي بادارة شئون المسلمين الاتراك في المانيا , في بادئ الامر رفض الالمان , الا ان بعد فشل مبدأهم في اذابة القومية التركية وافقت المانيا واصبح وزير الديانات في تركيا هو المسئول عن شئون المسلمين في المانيا لعدم رغبة تركيا في ترك المساجد للاسلاميين الاتراك. وفي اوربا بشكل عام , كان ولا زال ملحوظا صعوبة مواجهة القوميات هناك حيث ان المهاجرين و بالرغم من حصولهم على كامل حقوق المواطنة الا انهم بقوا يفضلون الاقامة في دوائر قريبة من المهاجرين القادمين من ذات القوميات , ولذلك فإن واقع التعددية قد فرض نفسه على اوربا , فأصبحت اكثر تقبلا للخصوصيات القومية والدينية للمهاجرين واللاجئين وغيرهم من الغرباء, الامر الذي تطور الى اقرار قوانين تعزز التعايش والمتعلقة بتجريم خطابات الكراهية. 

مصالح الدولة.. 

المصلحة العامة اصبحت هي المعيار في تلك الدول , و بالتالي لم يعد يكترث الكثير من الناس في مسألة القومية , و لذلك فإن قضايا الاتحاد او الاستقلال اصبحت تعتمد كثيرا على تقدير الافراد لما يخدم مصلحتهم بإستثناء المتعصبين للقوميات , فتجد في ايرلندا الشمالية الاتحاديين مقابل القوميين , و كذلك في اسكتلندا التي تنتظر استفتاء الاستقلال في سبتمبر القادم.

ولنا خير مثال في النسبة التي حققها استفتاء انضمام القرم لروسيا , حيث حققت الموافقة على الانضمام لروسيا ما يقارب ال 97% بالمئة من سكان القرم , بالرغم من ان الروس يشكلون اقل من 60% من سكان القرم , الا ان الاستفتاء يعكس الحالة الاجتماعية والاقتصادية الجيدة العائدة على القرم بسبب تبعيتها الاقتصادية لروسيا. 

القومية العربية ..

لم يعد من المجدي النظر للدول العربية على انها قومية واحدة , فالثقافات العربية اصبحت متباينة لظروف فترة الاستعمار , و هذا ما انعكس حتى على التفكير الاسلامي في المنطقة العربية. ولا مخرج للقومية العربية سوى ان تكون هنالك نهضة متوازية في الدول العربية او على الاقل مبدئيا في مجموعة منها.

الا ان سبيل القضاء على تأثير التباينات لا يكون الا من خلال اعتماد المصلحة كأساس في داخل كل بلد وفي العلاقة بين كل بلد عربي وآخر , ولكن لو افترضنا تحقق هذه المثالية فلن يكون هنالك مانع من ان يكون شكل التوحد والتقارب اكبر من اطار القومية العربية , لنقل مثلا - القومية العربية وبعض الدول المحيطة التي حققت ذات المثالية , او لنقل مثلا - القومية العربية وبعض الدول الاسلامية التي حققت ذات المثالية , او لنقل مثلا ايضا - القومية العربية وكل دول العالم التي حققت ذات المثالية!, ولذلك فإننا لا يجب ان نحدد اطار حلمنا بالتغيير لعالم افضل بالقومية العربية فقط و لنفكر بالانسانية كإطار اوسع , او لتكن الاقليمية كخطوة اصغر واكثر مرونة في امكانية تحقيقها بين الدول المتقاربة التي ستحقق المثالية!. 

اما التعلق بالقومية العربية فقط لأنها قومية عربية وغض النظر عن اخفاق بعض الاقطار في تحقيق المثالية المشار اليها , وغض النظر ايضا عن الدول غير العربية ان كانت حققت المثالية , فإن القومية العربية بهذه الحالة ستتحول الى تعصب يتعارض مع مبدأ الليبرالية - التحرر من التعصب. 

لذلك , فإن التعلق بالقومية العربية كشعار لن يخرج عن اثنين , اما ان يعبر هذا الشعار عن تعصب قومي يتعارض مع الليبرالية وينظر الى الاخرين في العالم على انهم يكنون الشر للعالم العربي , او ان يعبر هذا الشعار عن شعار عريض لا جدوى اطلاقا من رفعه. 

الكويت - نموذج ..

ماذا حدث بعد ان تم غزو الكويت من قبل دولة عربية ؟!.. 

قدم الشعب الكويتي والسعودي ايضا وقتها المصلحة على القومية , ولم يكترث بخطابات القومجية العرب و استقبل الخليج قوات التحالف لطرد الغازي العربي لأن مصلحة الشعبين تتطلب ذلك.. هكذا ببساطة..

الكويت - مثال .. 

ماذا لو افترضنا بأن الكويت قد حققت المثالية في داخلها , وماذا لو حققت ايران ذات المثالية ولم تحقق السعودية ذات الشيئ ؟ 

من الطبيعي ان يطمح الكويتيون - في النظام المثالي - الى تحقيق اكبر قدر من المصلحة , لنفترض مثلا ان مصلحتنا بالتقارب مع ايران اكبر من مصلحتنا بالتقارب مع السعودية , ولنفترض ان السعودية بقيت على ذات النظام البعيد عن المثالية في الداخل, وهي دولة تنتج ذات المنتج الذي نعتمد عليه في رزقنا وبالتالي لن يكون هنالك تبادل تجاري حقيقي, بالمقابل ايران التي نفترض انها تحولت الى جمهورية ديمقراطية علمانية مثالية , في هذه الحالة , لن يهتم الكويتيون في مسألة القومية , وربما سيبدأون التفكير في التحول الصناعي ( نتاج المثالية السياسية في الداخل ) , فتبدأ الاستفادة من المواد الخام التي تملكها ايران ( مثلا ). هذا المثال يعبر عن اللا جدوى من اشغال انفسنا في مسألة القومية العربية , علينا كشعوب ان نفكر بما هو افضل لحياة الناس وما يحقق المزيد من الاستقرار والرفاهية بعيدا عن التفكير عن مسألة الثقافة واللغة وبعض التفاصيل التي لم تعد مهمة كثيرا عند الناس بعد ما عانوه من فقر وجوع واهانة ومرض!.

أين وصل الإنسان ؟..

لم يعد شعار الانسانية معاصرا كما كان في السابق , فالمجتمعات المتقدمة وصلت الى حد الاهتمام بما هو ابعد من الانسان , بالكون والكائنات والبيئة , في حين اننا وصلنا للتو الى الحالة الغريبة المتمثلة بالتصوير مع عمال النظافة لإظهار جانب انساني مزيف هو في حقيقته اهانة وازدراء وتعدي على هؤلاء الضعفاء!.

الخاتمة..

لتكن دولنا علمانية ليبرالية تقبل الجيد وترفض السيئ .. ولنتحد مع من كان على اساس ما للشعوب من مصلحة سواءا كانت مصلحة اقتصادية او امنية او اجتماعية.. هكذا فقط ! 

ليست هناك تعليقات: