الاثنين، 27 أبريل، 2015

الاختطاف.. مالم يذكر عن ذلك اليوم.

خلال تحقيقات النيابة، لم تكن لدي مشكلة مع الاسئلة ورواية الاحداث، ولم تكن لدي مشكلة مع نوعية الاتهامات فتفنيدها امره سهل. الى ان وصلنا الى قصة القاء القبض علي و لم احتمل رواية القصة، وقد نبهت هنا الى ان ما حصل كان اختطاف وبطريقة مهينة ولم يكن القاء قبض. وفي الحقيقة، ففي تلك اللحظة بالذات تغيرت نظرتي للكويت.

سأروي هنا الاحداث بالرغم من عدم امتلاكي لدليل عليها، اريد فقط ان اقول شيئا اختلج في نفسي لسنوات، لربما يساعد هذا على التنبيه الى ان مسألة الاختطاف ليست بالامر الهين، كما نبهت الى ذلك امام النيابة.
الرواية عندما ذكرتها بانفعال لم تدون بالطريقة التي اثرتها بها، ولم يكن اصلا دافعي تثبيتها على الداخلية وحصد نقاط سياسية خصوصا وانني لا امتلك ادلة عليه، ولا يمكن البحث عن من لديه ضمير ليشهد مقسما على كتاب الله برواية الحدث امام المحكمة، فالمجموعة كانت تخفي اسماء افرادها، بالوقت الذي بدأ شرطة الانجليز بتعليق كامرات على بزاتهم طوال ساعات عملهم لحفظ حقوق الناس وحقوق الشرطة ايضا. المهم ، عندما رويت القصة كنت احكي لشباب كويتيين يعرفون الكويت مثلي كيف كانت وماذا تعني لنا، ولم يكن كلامي موجها لوكلاء نيابة بصفتهم الرسمية، ففي تلك اللحظات لم يكن هنالك شئ اهم من ان احكي ما يختلجني املا في ان تثير التفكر فيما وصل اليه الحال.

بعد ان انتظرت بالسيارة، واوراقي الثبوتية عند عسكري الامن العام، عاد جمس القوات الخاصة ومعه جمس اخر، لم اكن اعلم بأن هنالك معتقلين اخرين بالجمس الثاني، فقد حدث اعتقالهم بمكان بعيد يفصلني عنه مسجد وسيارات. اتى الجمسين ونزل منهم حوالي ست اشخاص، منهم اثنين فقط مكشوفي الوجه. طلب منى احدهم اغلاق السيارة واخذ هاتفي مع المفتاح، ثم قيدوا يدي من الخلف، فبدأ بلكمي اثنين منهم.
لكماتهما لم تكن مؤلمة وان احدثت اثار، او ربما لم اشعر بها لانني بذلك الوقت كنت ابحث عما ان كان هنالك من شاهد الحدث لربما يضفي ذلك شئ من المسئولية كإستلامي وتقييدي بشكل رسمي!.
بعد ان قام الاثنين بلكمي، قال اخر بما معناه "مو هني صبروا ". فتوقفا وقال احدهم "انا اعلمك".
ركبت الجمس، فسار الجمسين مسرعين ويصعدون على الارصفه لتفادي الزحام وكإنهم بحالة هستيرية، كما نرى ببعض الافلام الامريكية عند نقل متهم خطير جدا ومهم وله اتباع مسلحين وكذا!!، الى ان توقفا بمكان لم ارى بوابته، ولكن رأيت حائط ولم يكن هنالك احد حوله، وقلت جيد. سيضربونني هنا وسيرمونني بالشارع وسينتهي كل شئ سريعا.
بعد ذلك فتحت البوابة و من ثم ميزت المكان وكان مخفر شرق ورأيت المعتقلين الاخرين هناك قد صفوا بجانبي.

القصة، ربما تكون بسيطة بالنظر الى معاناة شعوب العالم الثالث في الدول الاخرى ومايحدث لهم من قمع واختطاف وتغييب وتعذيب وقتل، ولكنها بالنسبة لي لم تكن بالهينة بالنظر الى ماضي الكويت.

في الحقيقة، لم اتعود على كبت حريتي وخصوصا حرية التعبير، فوالدي رحمه الله كان وسيع البال معي ومع غيري، كان يسأل ويناقش ويقترح بهدوء. وهذا ما انعكس علي في جلساتي مع الاصدقاء، الى ان اصبحت قابلا للاستماع لكل شئ والتحاور فيه.
كما لم اكن معتادا على هذا التطرف الرسمي معي كمواطن، فمنذ صغري مع والدي كنت ارى الموظفين العموميين والشرطة كيف يتعاملون مع الناس بروح متعاونة هادئة يقدمون فيها المساعده ويذللون العقبات امام الناس.

ماكان مؤلما في تلك الاثناء كان هذا التحول السلبي في الكويت. والكويت كما اعرفها قبل واثناء الغزو العراقي، لم تكن تتخللها مثل هذه العصبية (بتجربتي الشخصية على الاقل). والمشاعر تجاه الكويت كانت شئ مختلف عما نسمع عنه حول العالم الذي تطغي عليه المادية في العلاقة بين الدولة والمواطن.

ما ان طرحت النيابة السؤال عن موضوع القاء القبض، الا وشريط الامل بالتحرير وفرحة التحرير قد مر امام عيني، فكانت المقارنة بين ماكان من شعور تجاه الوطن وما اصبح عليه الحال اليوم.

انا هنا لا اجامل احدا، فللمعارضة نصيبها من الانتقاد الحاد الى حد الاساءة في هذه المدونة، لكن لايجب ان يقبل احد بشرعنة الاخطاء كالاختطافات التي حدثت وبدأت تأخذ شكل من التطور. لايجب القبول بهذا ولا يجب منحه اي شرعية. لا الشباب ولا انتم ولا ابنائكم بالمستقبل لا اريد لمثل هذا ان يحدث لكائن من كان مالم يكن يهدد حياة الناس وامنهم بسلاح وشئ من هذا القبيل. غير هذا لا شئ يبرر الاختطاف بعذه الطريقة او النفي. حتى على الاخوة الوافدين وقد سبق وان اعترضت والكثيرين غيري على ظروف ابعاد الوافدين. ولا يجب الاستهانة في مسألة فك ارتباطنا العاطفي بالكويت، هذا المجتمع الهادئ الدافئ، لا يجب ان يتحول الخصام فيه الى نقطة الا عودة كما هو حال بقية دول المنطقة، وغفلان العامل الاخلاقي في الاختلاف يعني انعدام الثقة وبالتالي استحاله الاصلاح ولنا في دول المنطقة عبرة وعظة.

لازال هنالك امل بالتغيير والاصلاح، ولازال هنالك في نفسي ذلك الارتباط بالوطن، ولا زلت اعتقد بأنها مرحلة من الضيق لها مسببات كثيرة وستنتهي بالتجربة. واتمنى ان لا افقد هذا الامل يوما، بالرغم من اننى بدأت اعداد نفسي لمثل هذه الوقعة للتخفيف من الامها ان حدثت.

على الهامش..

- منذ ذلك الحين، في الكويت، لم اعد اتحرك الا وهنالك من لديه علم بحركتي. تعلمت هذا الحرص من والدي اثناء الاحتلال. فأمني الشخصي لم يعد مضمونا بوجود خصومة مع الشرطة!.

- للسيد فيصل اليحيى: هل عرفت الان ماكنت اعنيه في ذلك اليوم؟.

ليست هناك تعليقات: