الأحد، 15 يناير، 2012

الأقلية الشيعية والمعضلة السنية - الصحابة وأسس الحوار

المقالة الثانية للكاتب المجهول .
-------------


بسم الله الرحمن الرحيم

تطرقنا في نقطة البداية إلى الحقوق الإلهية الممنوحة للبشر كافة في الإسلام نسبة لبشريتهم دون النظر إلى أي اعتبار آخر كما ورد في قوله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم" ، وقبل التطرق إلى الموضوع الحالي لنقف جميعا وقفة حداد على ما آلت إليه أوضاعنا كمسلمين من جراء إعلاء العصبيات على الدين ، حديثي اليوم موجه لكل من السنة والشيعة على حد سواء .


نعلم جميعا عن كون الخلاف المذهبي سياسيا في بدايته نسبة للطبيعة الإنسانية الاستحواذية ولا يتعلق بالإيمان ، ولهذا السبب - أي لطغيان أطماع النفس البشرية - فبغض النظر عن الاختلافات الفقهية التي انبثقت عن ذلك الخلاف السياسي إلا أنه يظل مثالا لطغيان شوائب وأطماع البشر على الإيمان والمذهب بل حتى على الدين وكلام الله تعالى الوارد في القرآن المنظم لطرق الحوار عند الاختلاف ، والدليل انقسامنا اليوم كمسلمين لا سياسيا ولا فقهيا فحسب بل إلى جماعة تسب وأخرى تكفر ! مخطئ والله من حاول التماس العذر لهكذا تصرفات لا تمت لا للرسول ولا الصحابة ولا الإسلام .


فأولى أسس الحوار السليم التي وضعها الله عز وجل في محكم كتابه بشأن الاختلاف هي "وجادلوهم بالتي هي أحسن" ، فالمجادلة طبيعة بشرية تنصب على كل شيء لذا ورد تنظيمها في القرآن ، ووجوب اشتراط الجدل بالحكمة والإحسان إنما معجزة قرآنية أخرى لتشديدها على وجوب احترام الطرف الآخر ، وتأكيدها لضمان عدم الفجور بالخصومة والفتنة عند الخلاف ، والأهم لارتكازها على أسس القناعة والإيمان ، فما أسهل الفرض والتهديد والإجبار بالمقارنة مع صعوبة تمالك النفس من أجل حسن الحوار ، فالفرض والإجبار يخدمان الشخص بينما تمالك النفس وحسن الحوار يخدمان الدين والفكرة المراد إيصالها ، لذا وجب خضوعنا لهذا الأساس القرآني الحكيم ولهذه الآية التي تناساها الكثير من ذات المنطلق الذي أدى إلى انقسامنا كمسلمين ... طغيان عصبياتنا البشرية على الدين .


إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين جاوروا النبي الكريم ممن وصفه الله تعالى بقوله "وإنك لعلى خلق عظيم" ، تصوروا عظم هذا الوصف لوروده عن الله عز وجل ! جاور الصحابة هذا النبي وتعلموا منه ما لا نستطيع سوى أن نحلم بتحصيله كمسلمين ، لكن جميع الصحابة رضوان الله عليهم بشر في نهاية المطاف غير منزهين عن الخطأ بل وقد سجل التاريخ العديد من اخطائهم الواردة كما ورود فضائلهم ، ففي بشريتهم يكمن جواز الاختلاف معهم بل وانتقاد تصرفاتهم أم قراراتهم طالما التزمنا أدب وأصول الحوار المنصوص عليها في كتاب الله تعالى لا غيرها من أساليب ضعيفة لا نقبل بها على أي شخص كان نسبة لتكريم الله للإنسان ، وفي بشريتهم كذلك يكمن تحريم مساواتهم بالرحمن عن طريق تكفير من شهد بأن لا إله إلا هو .. محتميا مؤمنا آمنا بالله ، وعلى ذلك فجميعنا مذنبين أمام الله ... سنة وشيعة وعلى حد سواء .


ما نراه اليوم ليس سوى إعلاء لأهوائنا وأطماعنا كبشر على كلام الله تعالى في القرآن والذي جاء لينظم أسس التعامل والحوار السليم لا بيننا فقط كمسلمين بل بين البشرية بشكل عام ، فالله تعالى خلقنا كبشر ذوي نزعات ورغبات في الاختلاف والجدل ، لكنه جل وعلا نظم لنا أسس الجدال السليم الذي وحده فقط يضمن علو الإيمان على الإنسان ، لا العكس كما يفعل أغلبنا اليوم للأسف .


إن إعلاء العصبيات المذهبية على حساب التخاذل عن قراءة القرآن الكريم وطاعة ما جاء به إنما يصدر عن أفراد جاهلة ضعيفة الإيمان ، فقوة العقيدة لا تأتي سوى بالخير كما بين الله تعالى بقوله "يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا" ، خلافنا المذهبي اليوم أكبر دليل على ضعف إيماننا وسطحية فهاميتنا للدين السليم وإلا لما ترتب عليه هكذا تصرفات مشينة نرتكبها على بعضنا البعض باطشين في الدين بحجة الدفاع عنه ، آن الأوان بأن نقرأ لنتعظ .

ليست هناك تعليقات: